ابن الجوزي
346
زاد المسير في علم التفسير
لهما وهما مشركان ؟ فقال : أولم يستغفر إبراهيم لأبيه ؟ فذكر ذلك علي لرسول الله ، فنزلت هذه الآية والتي بعدها ، رواه أبو الخليل عن علي عليه السلام . والرابع : أن رجالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : يا نبي الله ، إن من آبائنا من كان يحسن الجوار ، ويصل الرحم ، ويفك العاني ، ويوفي بالذمم ، أفلا نستغفر لهم ؟ فقال : " بلى ، والله لأستغفرن لأبي كما استغفر إبراهيم لأبيه " ، فنزلت هذه الآية ، وبين عذر إبراهيم ، قاله قتادة . ومعنى قوله [ تعالى ] : ( من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم ) أي : من بعد ما بان أنهم ماتوا كفارا . قوله تعالى : ( إلا عن موعدة وعدها إياه ) فيه قولان : أحدهما : أن إبراهيم وعد أباه الاستغفار ، وذلك قوله [ تعالى ] : ( سأستغفر لك ربي ) ، وما كان يعلم أن الاستغفار للمشركين محظور حتى أخبره الله تعالى بذلك . والثاني : أن أباه وعده أنه إن استغفر له آمن ، فلما تبين لإبراهيم عداوة أبيه لله تعالى بموته على الكفر ، ترك الدعاء له . فعلى الأول ، تكون هاء الكناية في " إياه " عائدة على آزر ، وعلى الثاني ، تعود على إبراهيم . وقرأ ابن السميفع ، ومعاذ القارئ ، وأبو نهيك : " وعدها أباه " بالباء . وفي الأواه ثمانية أقوال : أحدها : أنه الخاشع الدعاء المتضرع ، رواه عبد الله بن شداد بن الهاد عن النبي صلى الله عليه وسلم . والثاني : أنه الدعاء ، رواه زر عن عبد الله ، وبه قال عبيد بن عمير . والثالث : الرحيم ، رواه أبو العبيد بن العامري عن ابن مسعود ، وبه قال الحسن ، وقتادة ، وأبو ميسرة . والرابع : أنه الموقن ، رواه أبو ظبيان عن ابن عباس ، وبه قال مجاهد ، وعطاء ، وعكرمة ، والضحاك . والخامس : أنه المؤمن ، رواه العوفي ، ومجاهد ، وابن أبي طلحة عن ابن عباس . والسادس : أنه المسبح ، رواه أبو إسحاق عن أبي ميسرة ، وبه قال سعيد بن المسيب ، وابن جبير . والسابع : أنه المتأوه لذكر عذاب الله ، قاله الشعبي . قال أبو عبيدة : مجاز أواه مجاز فعال من التأوه ، ومعناه : متضرع شفقا وفرقا ولزوما لطاعة ربه ، قال المثقب : إذا ما قمت أرحلها بليل * تأوه آهة الرجل الحزين والثامن : أنه الفقيه ، رواه ابن جريج عن مجاهد . فأما الحليم ، فهو الصفوح عن الذنوب .